
إن الحديث عن الشيخ سيدي الكبير هو حديث عن قمة من قمم العلم والإصلاح والصلاح والإنفاق، وعن رجل جعل من اقتناء الكتب رسالة، ومن نشر العلم غاية، ومن خدمة الأمة سبيلا.
حين يكتب الباحث الكبير الأستاذ عبد العزيز الساوري عن شخصية من طراز الشيخ سيدي الكبير، فإنه لا يكتفي بسرد وقائع تاريخية، أو جمع أخبار متناثرة، بل يفتح أمام القارئ نافذة على عالم زاخر بالمعاني والدلالات، عالمٍ تتجلى فيه صورة العالم الرباني الذي جمع بين الولاية والعلم والهمة العالية، فكان بحقٍّ ظاهرةً كبرى في زمانه وفريد عصره.
ومن الدلالات البارزة أيضًا ما أورده الباحث عن علاقة الشيخ بالسلطان المولى عبد الرحمن، الذي أكرمه وأجله، حتى جعله من خاصته وأخذ عنه الوِرد.
هذه الحظوة ليست مجرد تكريم سياسي أو اجتماعي، بل هي اعتراف صريح بمكانة الشيخ العلمية والروحية، إذ جمع بين العلم والبركة والصلاح، فصار موضع تقدير السلطان ومحبته.
والبحث الذي بين أيدينا هو خدمة جليلة لهذا التراث، وتذكير للأجيال بضرورة الاقتداء بمثل هذه النماذج الفذة التي جمعت بين الدين والعلم والخلق والهمة العالية.
يقول الأستاذ الباحث عبد العزيز الساوري رئيس مصلحة المخطوطات بوزارة الشباب والثقافة والتواصل في المملكة المغربية:
((١/٦ الشيخ سيديا بن المختار:في سنة ١٢٤٥هـ - ۱۸۳۰م: عزم الشيخ سيديا بن المختار بن الهيب الإبييري (الكبير) على أداء فريضة الحج، فخرج من بلاده بوتلميت في موريتانيا، ووصل إلى مراكش فعاقه عن ذلك عائقٌ مَرَضيّ، فوفد على السلطان المولى أبي زيد عبد الرحمن بن هشام بن محمد بن عبد الله.
قال أحمد بن الأمين الشنقيطي: (وقدم مُرَّاكش في أيَّام المولى عبد الرحمن وأظنُّه كان متوجها للحج، فرجع بسبب المرض في الحجاز، ونال حظوة عظيمة من السلطان). وقال أبو الفضل جعفر بن أحمد الناصري: (رحل إلى حضرة مراكش، وافدًا على السلطان المولى عبد الرحمن رحمه الله، ولعله كان على نيَّة التَّوجُّه إلى الحج، فعاقه عن ذلك مرضٌ، ونال حظوةً عظيمةً عنده، وأكرمه وأجله، حتَّى إنَّه عزم على منعه من الخروج من حضرته، لما رأى من علمه وصلاحه وبركته، أمسكه عنده سنةًكاملة".
وحدث أبو زيد عبد الرحمن الجزولي المعروف في مراكش بابن التلمود، وكان أبوه كاتبا للمولى عبد الرحمن: (أنَّه لما وفد الشيخ سيديا الكبير على السلطان، وجد ولده سيدي محمد السلطان ألكن لا يُبينُ الكلام، فَتَفَلَ في فمه، فانحلَّتْعقدة لسانه، وانطلق بالكلام، فحباه المولى عبد الرحمن رحمه الله، بالعطايا الجزيلة، وظهائر التشريف والتوقير والاحترام، وفي ذلك يقول صاحب أرجوزة شنقيط :
وَقَدْ رَأَى وَلَد ذَا الإِمَامِ *** ألْكَنَ لَا يُبينُ بالكَلامِ
وَقَدْ شُفِي بِرِيقَةِ الشَّيْخِ الوَلِي *** وَصَارَ نَاطِقًا بِمِنْطُوقٍ جَلِي
وَقَدْ حُبِي بِظَاهِرِ السُّلْطَانِ *** وَبِالجَوَائِزِ وَبِالإِحْسَانِ
ثمَّ إنَّ هذا السلطان أخذ عنه الوِرْد، وانخرط في سلك مريديه).
ونجد في تقييد لحفيده الشيخ هارون بن الشيخ سيديا باب ما نصه: "وعندنا ظهير شريف منه بتوليته على الناحية التي هو فيها، ويعده فيه بإرسال العدة والعدد".٢/٦ شغف اقتناء الكتب:وكان الشيخ سيديا الكبير في أثناء رحلته إلى مراكش هاته، شغوفا باقتناء الكتبوالمخطوطات، جمّاعًا لها، بحّاثًا عنها في دكاكين الوَرَّاقين، مولعًا بحضور (دلالةالكتب) عند زاوية جامع ابن يوسف التي تُقام عقب كل صلاة جمعة بالصوان الخلفي، وغيرها من الأماكن.
قال أحمد بن الأمين الشنقيطي: "كان يبحث عن في مراكش ليشتريها، فإذا أراد أن يقضي بالثمن يسلّم إلى البائع ما بقي من المحاسبة بالغا ما بلغ".
وقال أبو الفضل جعفر بن أحمد الناصري في مثل ذلك: "كان الشيخ سيديا رحمه الله، مغرمًا بجمع الكتب، ويبعث في شرائها من الآفاق المشرقية والمغربية ويتغالى في أثمانها وكان مدة إقامته بمراكش، يبحث عنها، ويشتريها، فإذا أراد أن يقضي الثمن، سلَّم للبائع ما بقي عن المحاسبة بالغا ما بلغ".
وقد اقتنى الشيخ سيديا الكبير من مدينة مراكش كتبًا كثيرة بالشراء أو الإهداء، فكان من ضمن مقتنياته النسخة الوحيدة في العالم من كتاب (الضروري في صناعة النحو)، لأبي الوليد محمد بن رشد الحفيد المتوفى سنة (٥٩٥هـ)، ونسخة عتيقة من (ربيع الأبرار ونصوص الأخيار) لجار الله الزمخشري، المتوفى سنة (٥٨٣هـ)، مقابلة بأصل الكتاب، وإن لم تكن مؤرخة ينضاف إلى ذلك عدد مهم من النفائس، ومنها: (التوضيح في شرح ابن الحاجب الفرعي) لخليل بن إسحاق بن موسى بن شعيب، المتوفى سنة (٧٦٧هـ)، كامل الأجزاء، وكتاب (اللباب في حلّ مشكلات الكتاب)، لأبي عبد الله محمد بن علي بن محمد الشطيبي الأندلسي، المتوفى سنة (٩٦٣هـ)، و(مختصر المدوّنة)، لأبي محمد بن أبي زيد القيرواني، المتوفى سنة (٣٨٦هـ)، و(المنزع النبيل في شرح مختصر خليل)، لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن مرزوق العجيسي التلمساني، المتوفى سنة (٨٤٢هـ)، و(التنبيهات المستنبطة على الكتب المدوّنة والمختلطة)، للقاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتي، المتوفى سنة (٥٤٤هـ)، و(وشي المعاصم في شرح تحفة ابن عاصم)، لأحمد بن عبد الله اليزناسي التلمساني، بخطّ المؤلّف، و(المجالس السنية في الكلامعلى الأربعين النووية) لشهاب الدين أحمد بن حجازي الفشني الشافعي، الذي كان حيا سنة (۹۷۸هـ)، و(الاكتفاء في مغازي المصطفى والثلاثة الخلفاء)، لأبي الربيع سليمان بن موسى الكلاعي، المتوفى سنة (٦٣٤هـ) بأجزائه الأربعة، وشرح محمد ابن عبد السلام بن حمدون الفاسي، المتوفى سنة (١١٦٣هـ) لـه والـمُسَمَّى (معاني الوفاء بمعاني الاكتفاء) في سبع مجلدات ضخام، وغيرها.
ومن الكتب التي جلبها الشيخ سيديا الكبير من مراكش نسخة عتيقة في الخيل وأسمائها وما يتصل بها عنوانها: (بغية المرتبط ودرَّة الملتقط)، لأبي بكر محمد ابن علي بن محمد بن عبد الملك بن عبد العزيز الإشبيلي المعروف بابن المُرْخِي المتوفى سنة (٦١٥هـ).
٣/٦ وراقو مراكش: وقد اشتراها من الوراق مولاي الغال، يقول الشيخ سيديا الكبير في تقييد مقتنياته من رحلته إلى مرَّاكش: (فمن الكتب المراكشية التي مًنّ الله تبارك وتعالى علينا بالشراء الصحيح... كتاب (بغية المرتبط ودرَّة الملتقط) في صفات الخيل في سفر غير كبير ... من عند مولاي الغال).ونعرض هنا أسماء الوراقين والأماكن التي اقتنى منها الكتب في مراكش، وهي:
• مولاي الغال.• الحاج التباع.سيدي عبد الرحمن الحيحي.• الشريف مولاي الفضل الفلالي المراكشي. سيدي عبد الخالق الدباغسيدي، أحمد بن عبد العزيز.• الشريف مولاي العربي الدرقاوي.• زاوية جامع ابن يوسف.• زاوية سيدي أبي العباس السبتي.• زاوية سيدي عبد العزيز التباع. فكانت حصيلة رحلته لمراكش مئتي كتاب وضعها في صناديق من خشب محمولة على الإبل، ثم آب إلى بوتلميت في قافلة.
وقد بهرت هذه الذخائر والنفائس معاصريه، يقول العلامة باب بن أحمد بيب العلوي:
لك الطائر الميمون والمنزل الرحب *** فإنك أنت الغوث لا شك والقطب
وأنت حسام قاطع كل شهبة *** وأنت شهاب في البرية لا يَخْبُ
وأضاءت بلاد الغرب لما حللتها *** فأصبح يبكي عند ترحالك الغرب
وجئت بكتب يعجز العيس حملها *** وعندك علم لا تحيط به الكتب
٤/٦ خزانة ضخمة: وشكلت هذه الكتب التي اقتناها الشيخ سيديا الكبير من مراكش نواة خزانته الضخمة التي كونها في بلدته بوتلميت، التي أصبحت مَعْلَمةً ثقافيةً مرموقةً في موريتانيا والبلاد المجاورة لها، ذلك أنَّها تزخر بالعديد من النفائس في كلّ فنّ. قال أبو الفضل جعفر بن أحمد الناصري: (وخزانته العلمية في موريتانيا معدودة في الخزائن النفيسة، فيها كتب قيّمة، وهي من الخزائن الجوالة في الصحراء، وقد كتب فيها الرحالون والمتجوّلون والعسكريون والمدنيون الفرنسيون كثيرًا، وذكروا أنَّهم رأوا فيها عند أحفاده مصاحف عتيقةً وأسفارًا مخطوطةً نادرة، مجلدة أحسن تجليد وأنفسه، مُمَوَّهة بالذهب، مُزَخْرَفة صحفُها وتراجمها زخرفة بديعة، مما يُعشق ويتنافس في اقتنائه، وأنَّها محفوظة في صناديق مُصفّحة مُقفلة خاصة في محلّ مخصوص بها في منازل آل الشيخ سيديا بوتلميت، ومازالت مصونةً لم تصل إليها أيدي النهابين، ولم تتخطفها من حرزها مخاطيف الخطافين، ولكن يوشك أن تهب عليها في يوم من الأيام، عاصفة فتنة أو حرب، فتفرّق جمعها، وتنثر عقدها، كغيرها من أخواتها، في أقطار أخرى الله سلم".
ومازالت هذه الخزانة على حالها وسيرتها، ويتولى حاليا الإشراف عليها من آل الشيخ سيديا الأستاذ باب ولد هارون ولد الشيح سيديا رئيس الاتحاد الوطني لرابطة ملاك المخطوطات الموريتانية.
وتعود أولى محاولات التعريف بالتراث المخطوط الموريتاني إلى بداية القرن العشرين، حين نُشر للمستعرب الفرنسي لويس ماسينيون (Louis Massignon) مقالة في العدد الثامن من مجلة العالم الإسلامي الصادرة باللغة الفرنسية سنة (١٩٠٩)، وعنوانها: (مكتبة صحراوية Une Bibliothéque Saharienne) ص ٤٠٩ - ٤١٨ تناول فيها خزانة الشيخ سيديا الكبير الموجودة بوتلميت، وقد أحصى جميع عناوين الخزانة المخطوط منها والمطبوع، وتبلغ مخطوطاتها خاصة ٥١٢ اثني عشر وخمس مئة مخطوط تدخل في مختلف الفنون. ومن المخطوطات التي ذكرها في مقالته كتاب الخيل لأبي بكر محمد بن عبد العزيز، رقمه ثلاثة عشر (۱۳) (اللغة). وفي سنة (١٩٧٠) نشر المستعرب الأمريكي شارل ستيوارت (StewartCharles) من جامعة إلينوي بالولايات المتحدة الأمريكية مقالةً في المجلد الحادي عشر (كراسة وحيدة) من مجلة هسبريس تمودا وعنوانها: (مصدر جديد حول سوق الكتب في المغرب سنة ۱۸۳۰م، والعلماء المسلمين في غرب إفريقيا) ص ٢٠٩ - ٢٤٩ ، ترجم فيها إلى اللغة الإنجليزية (تقييد مقتنيات الشيخ سيديا الكبير من رحلته إلى مرَّاكش)، ويوجد بخطه في خزانته، ويقع في أربع عشرة صفحة، وفيها أنَّ الشيخ سيديا الكبير اقتنى ستة وعشرين مجلدا من مراكش، وكانت بحوزة مولاي الغال منها: (كتاب بغية المرتبط ودرة الملتقط) في صفات الخيل، في مجلد واحد.
وفي سنتي (۱۹۸۷ و ۱۹۸۸) قام المستعرب الأمريكي شارل ستيوارت بفهرسة خزانة أهل الشيخ سيديا الكبير الموجودة ببوتلميت، وقد زاد هذا الفهرس قليلًا عن ألفي مخطوط.وعنوان هذا الفهرس العربي الإنجليزي الذي أعده شارل ستيوارت هو (فهرس مكتبة هارون ولد الشيخ سيدي ببوتلميت)، وهو غير منشور.
٥/٦ بعثة معهد المخطوطات: وفي سنة (۱۹۸۸) أوفد معهد المخطوطات العربية بالقاهرة أوَّلَ بعثة لانتقاء وتصوير المخطوطات من مكتبات موريتانيا، وضمت البعثة في عضويتها فيصل الحفيان، ومحمود سليمان الجالي، ونبيل عبد الفتاح، وبدأت رحلتها في عشرين (۲۰) من فبراير، ومكثت هناك حتَّى ۱۹ من مارس؛ من العام نفسه.
ومن النوادر التي صوّرتها البعثة من خزانة هارون بن سيدي الخاصة ببوتلميت مخطوطة كتاب (بغية المرتبط ودرة الملتقط) لأبي بكر محمد بن علي بن أبي بكر ابن عبد العزيز المتوفى سنة (٦١٥هـ)، نسخة قديمة، في الخيل وأسمائها وما يتصل بها.وتوجد هذه النسخة، ورقمها أربعون في منازل آل الشيخ سيديا ببوتلميت، وانتقلت بعد وفاته إلى ابنه محمد، ثمَّ إلى حفيده الشيخ سيديا باب، ثم إلى هارون، ثم آلت الآن إلى خزانة باب ولد هارون ولد الشيخ سيديا. ونسخة الشيخ سيديا هذه، منها مصغرة ميكروفيلمية في معهد المخطوطات العربية بالقاهرة، ورقمها (٥٢)،صورها لنا أخونا فيصل الحفيان مدير المعهد ونائبه أحمد عبد الباسط بمناسبة حضوري في الدورة التأسيسية العامة في تحقيق التراث التي نظمها المعهد من ٢٧ إلى ۳۱ مارس ۲۰۱٦، فأشكرهما على ما يَسَّرا وقدما من عون في سبيل تيسير عملنا هذا، وقد طلبناها مرارًا من أصدقاء موريتانيين إلَّا أنَّنا لم نظفر من وراء ذلك بطائل.
٦/٦ نسخة وحيدة ضمن مجموع: لا يُعرف من كتاب (بُغية المُرتَبِط ودرَّة الملتقط) لأبي بكر ابن المُرْخِي إِلَّا هذه النسخة الفريدة والوحيدة في العالم (UNICUM)، وهي نسخة عتيقة قريبة من عهد المؤلف، فهي مكتوبة بعد وفاته بسبع سنوات عن الأصل المنتسخ منه، كما يتضح ممَّا سُطِر في آخرها، وهذا نصه: "انقضى هذا المجموع بأسره بحمد الله تعالى ويسره، والحمد لله على حسن معونته وصلَّى الله على محمد رسوله وصفوته وعلى آله الطيبين وعثرته وسلم تسليمًا. وكان الفراغ منه في يوم الأحد الثامن لرمضان المعظم سنة ثنتين وعشرين وستمائة".
جاء كتاب (بغية المرتبط ودرة الملتقط) ضمن مجموع يضم إليه مخطوطتين اثنتين: (الدرَّة الألفيَّة في علم العربية) لزين الدين يحيى بن معطي بن عبد النور الزواوي (ت ٦٢٨هـ)، و(الضروري في صناعة النحو) لأبي الوليد محمد بن رشد الحفيد (ت ٥٩٥هـ). وترتيبه في المجموع: الثالث. وتقع النسخة في خمس وسبعين ورقة ذات وجهين، في كل ورقة تسعة عشر سطرًا، وفي كلّ سطر تسع كلمات تقريبًا، ويبلغ طول الصفحات ثلاثة وعشرين سنتيمترًا، وعرضها سبعة عشر، وطول ما رسم من الكتابة في الصفحات خمسة عشر سنتيمترًا بعرض تسعة. وكتبت أقسام الكتاب بخط كبير اعتُني بجماله، ولم يُدوَّن على ظهريَّته عنوان الكتاب. أمَّا خط النسخة فهو أندلسي، وهو واضحٌ مُتقن، وقد ضُبطت أكثرُ الألفاظ بالحركات، وحُقِّقت بعض الحروف المهملة وهي: الحاء والدال والراء والسين والصاد والعين، فَرُسِمت علامة الإهمال وهي همزةٌ صغيرة (ء) تحتها، وكثيرًا ما تُرْسَمُ الشَّدَّة بصورة مشابهة للعدد الهندي سبعة (۷) فوق الحرف للدلالة على الشدة والفتحة، ومشابهة للعدد الهندي ثمانية (۸) فوقه للدلالة على الشدَّة والضمة. أما الشدة والكسرة فيعبّر عنها بالرسم الهندي ثمانية (۸) لكن تحت الحرف. وحين تحتمل الكلمة روايتين أو قراءتين في ما يختص بالحركات، يشير الناسخ حينئذ برسم لفظ (معا) فوق الكلمات دلالة على أنهما يصحان معًا، مثل: الرَّهَابَةُ بضم الراء وكسرها، ورقة (۳۲ ظ)، ومثل نغضُ بفتح النون وضمّها (ورقة٦٤و)،ومثل سمٌّ بفتح السين وضمّها (ورقة ٦٧ و) ، وقد خَلَت هذه النسخة من نظام التعقيبة، فاختلطت أوراق الكتاب واختلط النصُّ، مع ظهور بعض التعقيبات بخط ناسخ متأخر في ثلاث ورقات فقط (٥٥و،٥٦و ٥٧و).وتظهر في حواشي النسخة آثارُ مقابلتها بالأصل المنتسخ منه. وقد انتهينا من قراءة هذا المخطوط والتعليق عليه، وسيصدر قريبًا)). انتهى كلام الباحث.
لقد أبدع الأستاذ الساوري في تصوير شغف الشيخ سيدي بالكتب، ذلك الشغف الذي جعله ينفق الأموال الطائلة دون حساب، ويقتني النسخ النادرة التي لا تقدر بثمن، مثل النسخة الوحيدة في العالم من كتاب (الضروري في صناعة النحو) لابن رشد، وكتاب (بغية المرتبط ودرة الملتقط في الخيل)، هذه النفائس لم تكن مجرد مقتنيات شخصية، بل شكلت نواة خزانة علمية ضخمة في مدينة بوتلميت، صارت معلمة ثقافية مرموقة في موريتانيا والعالم الإسلامي والغربي.
إن ما جمعه الشيخ سيدي الكبير من ذخائر ومخطوطات لم يكن ليبقى حبيس الصناديق، بل صار مقصدا للرحالة والمستشرقين والباحثين، حتى كتب عنه لويس ماسينيون وشارل ستيوارت وغيرهما، وهو دليل على أن أثره تجاوز حدود موريتانيا ليبلغ العالم.
وهكذا تحولت خزانته إلى جسر حضاري يصل بين الصحراء الموريتانية ومراكز البحث العالمية.
لا يسع القارئ وهو يتتبع هذه الصفحات إلا أن ينوه بجهد الأستاذ الباحث عبد العزيز الساوري، الذي جمع بين التحقيق العلمي والذوق الأدبي، فأحسن عرض سيرة الشيخ، وأبرز مكانته كما هي: عالم رباني، ولي صالح، وصاحب همة عالية في خدمة الأمة والعلم وحفظ التراث. لقد حالفه التوفيق في أن يجعل من هذه الدراسة مرآة صافية تعكس صورة الشيخ سيديا الكبير، وتعيد للأذهان ذكرى رجل كان بحقّ غوثا للعلم، وقطبا للمعرفة، ومنارة للإصلاح.
وكتب إسحاق بن موسى بن الشيخ سيدي